ل u عبد الله المغلوث /بحث عن موظف الصندوق (الكاشير)، خالد سلمان الحجي (21 عاما) في أسواق بندة بالظهران لا يستغرق طويلا. ستجده يتصدر الطابور الأطول منحنيا يوزع ابتساماته وأسئلته على زبائنه وهو يمرر مشترياتهم على جهاز قراءة الأسعار.
فلدى خالد أسلوب شيق في استقبالك. يفتتح حديثه معك مرحبا بحرارة ومرددا (نورتنا) مرتين مقرونة بابتسامة طازجة قادمة من شغاف قلبه، كأنه يسقيك فنجان قهوة عربية تطفئ صقيع الهموم التي تقطنك. كما لا يتردد خالد أن يخرج من جيبه قطعة شوكولاتة يودعها في يد طفلك الذي يرافقك، ومن حنجرته أنشودة يتلوها على مسامعه بحماسة وسعادة.
ترحيب خالد الحار بالزبائن جعله منتجعا صغيرا لتبديد الحزن، واستراحة يرتادها الباحثون عن سعادة مؤقتة. لكن كل هذا لم يحمه من شتائم يومية يتلقاها ويصطحبها معه إلى فراشه لتتحول إلى كوابيس تهدد بقاءه بائعا ومصدرا للفرح.
شخصيا، شاهدت رجلا أربعينيا يهاجم خالد بضراوة ويصمه بالتخلف والجهل لأنه أغلق صندوقه حينما حان موعد الصلاة. كان يناديه قائلا: "يا غبي، خلصني ثم اذهب". يقول خالد وهو مطرق الرأس:"الكثير من الموظفين يذهبون لأعمالهم ليستحموا بالأفكار والطموحات، بينما نحن نذهب إليها لنستحم بالشتمائم".
ومازال جرح خالد غائرا منذ أن طعنه ابن جلدته في صدره الأسبوع الماضي وأباد كل الأحلام التي تسكنه، حينما قال له بتهكم: "استغرب أن تعين إدارة السوق شخصا معاقا". وذلك على خلفية بطء عملية الاتصال مع البنك خلال تسديد الزبون قيمة المشتريات عن طريق البطاقة الإلكترونية.
إن أسوأ جرح ربما يتعرض له المرء هو الجرح المعنوي، الذي لا يندمل، ولا يستطيع الطبيب إيقاف نزيفه.
خالد، الذي يعاني من تشوه خلقي يتمثل في تقوس ظهره، تأثر كثيرا من هجوم الزبون عليه. يقول: "لم أنم لمدة يومين متواصلين. شعرت بعدم رغبة للذهاب إلى العمل. لكن استغفرت ربي وذهبت".
ورغم الألم الكبير الذي يسكن خالد إثر تقوس ظهره وتكبده مشقة كبيرة في حمل رأسه وكتفيه إلا أن ذلك لا يوجعه، بل توجعه النظرة الدونية التي يطالعه بها مجتمعنا. في المقابل، فهو لم يشعر طوال عمله كاشيرا بأي تمييز أو تهكم من قبل الأجانب، بل بالعكس وجد منهم دعما وتعاطفا كبيرين، متسائلا: "ما السبب في وعيهم وجهلنا؟".
ولدى خالد، الذي يعمل 9 ساعات يوميا ويتقاضى راتبا شهريا قدره 2750 ريال سعودي، أمنيتان أولهما أن يلتقي معالي الدكتور غازي القصيبي، وزير العمل. أما أمنيته الأخرى فتتمثل في الحصول على مساعدة من أحد رجال الخير تمكنه من إجراء عملية جراحية تخفف جراحه وتخفي عظام كتفي الناتئة التي تكاد تمزق جلده وملابسه.
آمل أن يلتقيه الوزير ويحقق أمنيته، وأن يجري عملية تبدد آلامه، وتمهد له الطريق للزواج وللسعادة. فخالد يستحق بهجة شاسعة بحجم ابتسامته التي يودعها في عيوننا وأفئدتنا.
|
|
|
| Users' Comments |
|
Average user rating
|
|
اضف تعليقك
|