عبد الله المغلوث / التقطني رغم أن الشارع كان غارقا بالمطر والظلام. فإذا كان سمك القرش يشم فريسته على بعد 1000 ميل بحري، فإن نواز لديه القدرة على تحديد مكان زبائنه عن بعد بفضل حدة بصره. قبل أن أستوي على مقعدي وأرشده إلى المكان الذي
تطلع أن يقلني إليه في مانشستر ببريطانيا قرأ عليّ السلام بلغة عربية سليمة. فهو يزعم أنه يستطيع أن يكتشف العربي من بين مئة شخص. وفي مستهل الطريق استل ورقة صغيرة من أمامه كتب عليها رقم هاتفه بخط عريض. ثم قال لي وهو يبتسم: "لديّ وزوجتي ياسمين كل ما تريد". قلت له بعد أن فاجأني بابتسامته الصفراء وما تبعها من عرض فضفاض: ماذا تقصد؟ أجاب وهو يركل سجادة الأرض التي تحول بين قدمه ودواسة البنزين: "كل شيء. ابتداءً من إيصالك بهذه السيارة، إلى تنظيف منزلك". سألني وهو يمد يده بمشقة للوصول إلى جيب المقعد الخلفي: "هل أنت متزوج؟". فرددت بالإيجاب، فكاد أن يقفز من فرط الفرح ثم قال: "زوجتي ياسمين تقوم بتعليم قيادة السيارات للنساء المحجبات، وتستطيع أن تقوم بقص وتصفيف الشعر والمساج لزوجتك في منزلك". وقبل أن أهبط من سيارته ناولني بروشورا دعائيا تعلوه صورته وصورة حرمه المصون ياسمين. وتزدحم في داخله الخدمات التي يقدمانها بأسعار مناسبة حسب ما هو مكتوب في البروشور باللغة العربية.
فهما يقومان برعاية الأطفال المسلمين بسعر خمسة جنيهات إسترلينية في الساعة. كما يعدان طعام الولائم والمناسبات. وتدعي ياسمين خبرتها في التجميل. فهي تستعرض في البروشور الطويل سلسلة خدمات من النادر أن تتقنها خبيرة واحدة. فبوسعها العناية بالبشرة، وإزالة شعر الجسم. وصبغ وتصفيف الشعر. والأهم من ذلك هو استعدادها للقيام بكل ذلك في منزلك دون أن تتكبد زوجتك أو أختك وعثاء السفر إلى صالون تجميل.
ثمة تجارة رائجة في بريطانيا وأمريكا والدول التي تتزايد فيها أعداد الطلاب والطالبات السعوديات المبتعثين. هذه التجارة تكمن في عرض خدمات بغطاء إسلامي لجذبنا نحوها. إن الانسياق وراء هذا النوع من الخدمات سيعزز تقوقعنا ويحرمنا من الاندماج مع المجتمع الذي انتقلنا إليه. سيجردنا من فرصة قد لا تتكرر في فهم هذا المجتمع والتخاطب معه والاستفادة من خبرته ونظامه. سيجعلنا عرضة للاستغلال والخداع.
يتباهى أحد الزملاء بأن زوجته طوال إقامتهما في بريطانيا التي تمتد لنحو عام لم تخرج من منزلها إلا نحو خمس مرات. فإذا أرادت أن تقص شعرها جاءتها ياسمين أو من يشبهها. وإذا أرادت أن تتسوق للمنزل كتبت الطلبات في ورقة وتكفل زوجها بالباقي.
إن حبسها في بريطانيا طوال هذه المدة دون أن تخرج ليس مدعاة للبهجة بل للألم والحسرة على عقليات لا تدرك أهمية هذه الفرصة التي قد تساهم في تنمية عقلية المرأة والأسرة بشكل عام، بوصف الأم هي المهندس الأول في المنزل والمسؤول الرئيس عن تربية الأطفال.
لقد وجد نواز وياسمين في السعوديين مرتعا خصبا للربح السريع. فمن يصدق أن شخصين يملكان كل هذه المواهب والإمكانات. من يقبل أن يسلم أطفاله -فلذات كبده- إلى شخصين غير متخصصين ويترك حضانات ومدارس مؤهلة تعج بتقنيات وكوادر قلما تتوافر في أي وطن. إذا لم نقف وقفة جادة مع أنفسنا وننصرف عن الخدمات الارتجالية الرخيصة، سنعود حيث جئنا بلا مكاسب وتطوير.
وكما يقول فوجريه دو مونبرون :"من لم يرَ إلا بلده فقد قرأ الصفحة الأولى فقط من كتاب الكون". فدعونا نقرأ الصفحات التالية ولا ندع نواز وياسمين يجعلوننا نراوح الصفحة اليتيمة
|
|
|
| Users' Comments |
|
Average user rating
|
|
اضف تعليقك
|