عبدالله المغلوث/
يقتحم موظفون فظون قاعة أي حفل رسمي أو مؤتمر قبل انعقاده بربع ساعة. ينتزعون أسماء المدعوين الموضوعة على الكراسي الفارغة ويضعون أجسادهم مكانها إلى حين وصول أرباب عملهم وسط نظرات استهجان واسعة يقابلونها بابتسامات فجة.
حراس الكراسي، سلالة من الموظفين تترعرع في الوزارات والأجهزة الحكومية والخاصة. هدفها هو جلوس رؤسائهم في الصفوف الأمامية في الاحتفالات الرسمية والمؤتمرات حتى لو كانوا أقل الحضور شأنا ومكانة.
الأسبوع الماضي حضرت مبكرا احتفالا علميا في جدة وشاهدت عن كثب كيف يحصل هؤلاء على المقاعد والازدراء.
يبدأون مهمتهم بمسح شامل وسريع للمقاعد الرئيسة. ثم يحددون المقاعد التي يسهل السطو عليها، كالخاصة بالأكاديميين والأجانب، فهم (الحلقة الأضعف) في مجتمعنا. ثم يسارعون في أخذها عنوة متسلحين بمشالحهم الباهظة وملامحهم الناشفة.
ما يقوم به (حراس الكراسي) في قاعات الاحتفالات والمناسبات العامة يعكس ما يقومون به في الخفاء، عندما ينهبون فرص وحقوق الآخرين لمصلحة مديريهم مستغلين الطيبة والتسامح اللذين يسكنان من حولهم.
هؤلاء لا يتأبدون حراسا، إذ يكبرون سريعا، يتحولون خلال فترة قياسية إلى وكلاء ومديرين نافذين يمارسون أدوارا أكبر وأبشع.
أكثر ما يحزنني وغيري هو وصول غير الموهوبين وغير الجديرين إلى المواقع الأمامية لأنهم سيقمعون أي مبدع، سيدوسون على أي موهبة تعترض طريقهم.
الدكتور صالح الفواز، أستاذ علم الاجتماع، لديه أكثر من 6 كتب في تخصصه والعديد من المقالات المنشورة في أهم الدوريات المتخصصة، وجدته حزينا في أحد مطاعم جدة مطلع شهر مارس الماضي. وعندما سألته عن سبب يأسه الذي يقطنه أجابني بعد أن أخذ نفسا عميقاً "لا أستطيع أن أحمل مشلح رئيسي".
انصرف الفواز عن العمل في الجامعة لأنه يرى أن تقدمه الوظيفي يتطلب أن يقوم "بأدوار غير أكاديمية".
هناك آلاف واجهوا ويواجهون مصير الفواز. عبدالعزيز محمد السليم (38 عاما) أحدهم. فقد غادر وظيفته في وزارة التربية لأنه لا يستطيع أن يقود سيارة رئيسه، لا يستطيع مرافقة رئيسه وتسليته. يملك حاليا محلاً لبيع الأثاث في شمال الرياض وغضبا عارما تجاه وظيفته "أنا حانق لأن معايير النجاح لدينا مقلوبة. يجب أن تصبح خادما لرئيسك لكي تنمو وظيفيا".
قدم عبد العزيز استقالته وهو يحتسي الألم"مكره أخاك لا بطل"، مفضلا بيع قطع القماش والستائر على العمل مع "أشخاص انتهازيين" على حد قوله.
استشرت هذه النوعيات من المخلوقات في أغلب المؤسسات العامة والخاصة. أصبح من غير المألوف أن تشاهد مديرا موهوبا. الموهوب أصبح عبئا على إدارته ومؤسسته، بينما من هو خلاف ذلك يبرز في لمح البصر، تمهد أمامه الطرق وتعبد.
للأسف (حراس الكراسي) و(حاملو البشوت) هم من يصل إلى مواقع الصدارة بسرعة البرق.
في المقابل، مازال أحد الأصدقاء يتذكر المواقف التي تعرض لها عندما ترأسه مهندس صيني. فقد تعرض لإنذار شفهي منه حينما حجز له جناحا في فندق خلال رحلة عمل جمعتهما. لم ينس مازن كيف أقام رئيسه الشرق آسيوي الدنيا ولم يقعدها عندما دخل غرفته ووجدها جناحا وليس غرفة كما كان ينتظر. أصبح مازن إثر ترقيته لغرفة رئيسه في عداد الموتى في القسم الذي يعمل به.
يقول مازن:" أصبح رئيسي لا يبتسم في وجهي منذ ذلك الحين".
الذنب الذي اقترفه مازن لا يتحمله بالكامل فثقافة العمل لدينا هي التي أنجبت هذه السلوكيات التي حولت الموظفين إلى كائنات مسخرة لخدمة رؤسائها وإسعادهم خارج إطار العمل.
وهذه الثقافة لا يكتسبها الموظف في عمله بل يلتقطها مبكرا من المدرسة. فنحن لمسنا كيف يحصل ابن مدير الجوازات بحظوة واهتمام المدرسين، لأن جوازاتهم لن تمر على موظفين بيروقراطيين. ولاحظنا كيف يحصل ابن مدير المرور على ابتسامات جمة من معلمينا لم نحظ حتى برائحتها.
نكبر ونحن نتصفح هذه المشاهد التي تجعل منا كائنات ناقمة ومستعدة للتنازل عن الكثير من القيم لترقى وتصعد كالبقية. ندهس موهبتنا، وأحلامنا، ونتحول إلى مكائن لا تردد سوى(سم طال عمرك).
عندما يصل أحدنا إلى موقع المسؤولية لا يجب أن نسأله كم إنجازا ودورة تدريبية أحرزت، بل كم كرسيا حجزت ومشلحا حملت!
*كاتب سعودي
|
|
|
| Users' Comments |
|
Average user rating
|
|
اضف تعليقك
|