العدد: -85

جريدة اليكترونية
تتجدد على مدار الساعة
 
آخر الاخبار و المواضيع
اعلن معنا
شرق الوادي والنظرة للاخر طباعة ارسال لصديق
 
محمد الحرز/
رواية تركي الحمد «شرق الوادي» تحلل المجتمع والتاريخ السعودي كما صرح تركي بذلك في أحد حواراته, وبهذا فهي تنحدر صوب المواضيع الأكثر سخونة في تناول المجتمع, إذ تحاول أن تقول كل شيء دفعة واحدة , لكنها في النهاية لا تقول شيئا. ربما على السارد في روايتنا المحلية أن يتخفف من اندفاعته , كي لا تكون معالجاته لمختلف عوالمه مجرد تنويعات على خطابنا السياسي والفكري, عليه أن ينحاز إلى أدق التفاصيل في الحياة, كي ينسج منها حياة متخيلة بحيث يصعب علينا نحن القراء معرفة حدودها الفاصلة بين ما هو واقعيzxw11.jpg
, وما هو متخيل. فالرواية تحكي قصة جابر السدرة فترة تأسيس الدولة السعودية, الذي يخرج من قريته ( خب السماوي), هذه القرية الصغيرة الغافية بين كثبان رمال النفود, إلى الغرب من مدينة بريدة, دافعه البحث عن سميح الذاهل الذي يمثل مجرد طيف أو انثيلات حلمية, يلتقي به بين الحين والآخر, وظيفتها خلق الدوافع والمبررات لشخصية جابر للخروج من القرية, وكذلك إفساح المجال لصوت المؤلف كي يحلل المواقف والحوارات, وبالتالي التأثير على قناعاتها , أكثر من كونها شخصية تدخل في نسيج العمل وتؤثر فيه, حتى لو سلمنا بالسرد الغرائبي الذي يمنحها السمات الشخصية, ويجعلها بالتالي في حل من الخضوع التقني والأسلوبي لمكونات السرد. وسوف نركز التحليل على سياق الترحال والأسفار في حياة جابر- فيما هو يبحث عن سميح - من مدينة إلى أخرى , من القصيم وحائل إلى الرياض ومن الرياض إلى جدة ومكة, ومن عمان إلى الشام والقدس إلى الظهران والدمام وبيروت وأمريكا ,إذ سنتعرف من خلاله على صورة الآخر وملامحه وطبيعة الموقف منه. أولا إذا كنا ندرك تماما أن حضور المدن في الرواية هو وثيق الصلة بحضور شخصية سميح, حيث هذا الحضور المتناغم بين الاثنين له دلالته, التي يمكن أن نوجزها كما يلي: كلما تنقلنا نحن القراء من مدينة إلى أخرى اكتشفنا جانبا من الرسالة التي يريد أن يوصلها لنا الراوي العليم عن طريق نوعية الأمكنة التي تظهر فيها تلك الشخصية أو التي يوحي بها السرد إلينا. فمسجد الصخرة , وكنيسة القيامة , وحائط البراق, وبيت لحم, والمسجد الأموي , ومسجد الحسين جميعها تشير إلى أن قيمة المدينة وأهميتها في الرواية تكتسب من موقف سميح تجاه تلك الأمكنة , وليس من موقفنا كقراء رغم الصلة الوثيقة التي تربطنا بجابر الابن بوصفه قارئا لمخطوطة جده أولا , أو موقف جابر الأب ثانيا رغم تساؤله حين يقول «ما الذي يدفع سميح للذهاب إلى مزارات الكفار ومعابدهم ومساكنهم, وهو المسلم التقي» . وهذا وعي مسبق وموجه في شكل حضور المدينة الخاطف الذي يتماهى مع حضور سميح , والذي بدوره يتماهى مع حضور المؤلف بطبيعة الحال وسلطته. رغم أن مدينة بيروت وكذلك أمريكا يبدوان بمعزل في حضورهما عن دوافع البحث التي تحرك جابر نحو السفر , إلا أن سميح يخلق أسبابه الخاصة للحضور , ودائما ما تكون دينية باعتبارها الوعي الإيديولوجي الذي يحكم أفق الرسالة التي يحملها هو نفسه. ثانيا حينما نرصد بعض الملامح عن تجليات الآخر في الشخصيات , سنجد التصنيف التالي: هناك الآخر الغريب , والآخر الأصل , والآخر الطائفي. الأول يمثله شخصية زهرة , والثاني زوجها أبو عثمان السايح , والأخير عبد الرسول الحشي. أنانا خاتون جارية تربت في قصور مكة وجدة, وهي من شمال العراق, تزوجها أبو عثمان بعد أن غير اسمها إلى زهرة , وأسكنها في قريته. هذه الشخصية تضعنا أمام رهان تسعى الرواية إلى إظهاره . هذا الرهان هو قابلية التعايش والانسجام بين عالمين مختلفين, وإمكانية تقبل الواحد للآخر. قبول زهرة في أوساط القرية كان قبولا يتصل بمهارات جسدية : الأكل , الجنس, الزينة , الجمال. لكنه قبول لم يصل إلى الحد الذي يخلصها من سجن التصورات التي ترى فيها صورتها عند الآخرين , لذلك قالت وهي على فراش الموت « الحمد لله ... أخيرا سأعرف معنى أن تكون حرا بالكامل... سامحك الله يا جابر , وسامحك الله يا أبا عثمان ... لم تنسيا يوما أنني كنت جارية تباع وتشترى ص196 « . إن المرايا التي تعكس مجمل تصوراتنا عن الآخرين , وتمثلاتهم في الذهن, هي بمثابة الموت الروحي الذي يفضي بالنهاية إلى الموت المادي عند هؤلاء, لاسيما إذا كانت مثل هذه التمثلات تضغط بقوة على شخصية الإنسان من العمق كما هي حالة زهرة. وإذا كان الموت هو الخلاص الذي يحررها من قيود تلك التصورات, فإن وجهة النظر هذه لا تمت إلى سياق حياتها, ولا إلى قناعاتها بصلة, إنها تمت بصلة إلى صوت سميح الذي يتقنع بصوت السارد حين يقول « وأحست هيلة بحب جارف نحو هذه التي كانت جارية وغريبة , فإذا بها تصبح أكثر حرية ممن ولدوا , وأكثر حميمية من أهل الدار أنفسهم ص118 «. هذا النوع من التدخل في فرض وجهات النظر, من جهة يرجع إلى سلطة الموروث - ولا يعنينا هنا مؤثرات الأسلوب الروائي - , ومن جهة أخرى يفضي بالشخوص إلى سلب إرادتها والاستخفاف بحياتها والنظر إليها بوضاعة. هذا السلب وهذا الاستخفاف طال شخصية زهرة ليس من خلال جابر أو أبو عثمان فقط, وإنما كذلك من خلال وجهة نظر الراوي العليم. إذن الرواية تقول لنا إن الآخر الغريب مؤداه الموت سواء على المستوى اللغوي ( تغيير الاسم) , أو الجسدي بالموت الطبيعي, أو الروائي بمصادرة ما يحاول أن يقوله عن نفسه. هذه المستويات الثلاثة من الموت, هي أبعاد رمزية ما زالت تكشف عن نفسها في السلوك الاجتماعي المحلي, وتغذيه بطريقة أو بأخرى.
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته


   

Users' Comments  
 

Average user rating

 


اضف تعليقك
 
الاسم
البريد الالكتروني
العنوان  
 
التعليق
 
عدد الحروف المتاحة 600
   آخبرني بالردود علي التعليق
   
   

لم ينشر تعليق بعد
< السابق   التالى >

القائمة الرئيسية
الرئيسية
تحقيقات
آخبار
هموم المواطن
كاريكاتير
رأي المواطنين
محليات
تقارير
تقنيه وعلوم
كتاباتهم
من الأرشيف
استراحة المواطن
رحلات
اسلاميات
متابعات
الرياضة
ثقافة و فنون
مختارات
المواطنة
حوادث
إقتصاديات
المواطن المثالي
من نحن
بحث
اتصل بنا
جميع الحقوق محفوظة للمواطن ترخيص رقم 2006195151 امريكا - كولورادو