أحمد المغلوث/كان رجل بائس.. ضعيف البنية تكاد عظام صدره تخرج من بين ملابسه كأسرى ضحايا حرب البوسنة أو المجاعة في أفريقيا. يفترش مكانه اليومي عند مدخل احد المراكز التموينية في المدينة وتتلاعب أصابعه النحيلة بأوراق النقود التي حصل عليها من الغير ومن محبي الخير.. لون ثوبه تحول من اللون الأبيض الى لون ترابي اختلط بخطوط العرق الجافة مع خطوط الانكسارات والكرمشات المختلفة التي خلفتها حركته ما بين جلوسه وقيامه ومد ساقيه الحافيتين والتي تراكمت عليها الأتربة.. غترته التي لا تختلف في لونها عن ثوبه كأنها شقت منه او هي امتداد لهذا الثوب الذي يحمل لوحة تجريدية ألوانها من البؤس والضعف والانكسار وحتى
الفقر.. اعتاد صاحبنا أن يمنحه ريالا عند دخوله لمركز التموين وأحيانا عند خروجه إذا لم يكن لديه مثل هذا الريال.. وكان يستمع لغمغمته بكلمات دعوية غير واضحة تمنى لو اقترب أكثر وسمع هذا الدعاء بوضوح.. مع أن سمعه ليس فيه وقر.. لكنه تردد عن ذلك أكثر من مرة فرائحته الطاردة تمنع ذلك..؟! ولكنه يكتفي برؤية ابتسامته وأسنانه الصفراء وعلى الأخص تلك السن المكسورة في فكه الأعلى.. ابتسامته وهو يحمل بيده الريال خلال إضافته الى ما تحمله يديه من نقود تحمل تعبيرا مشحونا بالمعاني التي لا يفهمها الا من يملك الريال من أمثاله من البائسين وما أكثرهم في هذه الحياة. وما تبعثه فيهم من مشاعر وأحاسيس غبطة وسعادة.. وهذا المكان ليس مكانه الوحيد فصاحبنا سبق وأن شاهده في مكان آخر وبجوار مركز مشابه.. نفس الجلسة الاستناد على حائط الممر بجوار المدخل.. يفترش كرتونة طويلة من مخلفات السوق.. وبجواره زجاجة ماء بلاستيكية صغيرة.. ليست بالضرورة باردة.. فموقعه المباشر خارج الممر والذي يفتقر للتكييف تجعل جسمه ينضح عرقا مكونا الخطوط العرقية في ثوبه التجريدي الترابي..
بالأمس شاهده في نفس المكان.. وعندما مد يده اليه بالريال إذا به يقول له بصوت خفيض ومكسور: الله يطول عمرك.. ارتفعت الأسعار الريال ما يجيب شيء.. أسقط في يده.. أفحمه الرجل البائس.. وقال له وهو يعطيه ريالا آخر.. نعم معك حق.. الريال في هذا الزمن الرديء ما يجيب شيء..؟!!
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته
|
|
|
| Users' Comments |
|
Average user rating
|
|
اضف تعليقك
|