عبد الله المغلوث /جلست بجوار مسافر حانق على متن طائرة متجهة من جدة إلى الدمام الشهر الماضي. تكاد عيناه تقفزان من رأسه من فرط الغضب. كان يتحدث عبر الهاتف قبل إقلاع الطائرة بصوت مؤذ مع زوجته أو أخته. يداه منتفختان متسختان كأنهما قدمان لم يعرفا الحذاء في حياتهما. كنت أحمل معي صحيفة، وكتابا. عرضتهما عليه فور أن أغلق هاتفه ووضعه في جيبه. لكنه رفضهما متذرعاً"هل أستطيع أن أقرأ أو أستمتع ولدي رئيس في العمل يرفع
الضغط !". فرددت عليه قائلا: "انس رئيسك وهمومك، واقرأ لعلك تهدأ وتستمتع ولو مؤقتا". لم أكد انتهي من جملتي القصيرة حتى انهمر دون تدفق، كأنني فتحت صنبورا ولم أعرف كيف أغلقه. استهل نحيبه قائلا:"لو التقيت رئيسي أو عملت تحت إدارته ستعلم سبب غضبي. ستعلم سبب عدم قدرتي على الاستمتاع. مهما قدمت له سأظل مقصرا وسيئا". ولسان حاله يردد بيت المعري:
بعضُ الرّجالِ كقبرِ المَيتِ تمنحُهُ***أعز شيءٍ ولا يعُطيكَ تَعويضا
واصل جاري اندلاعه دون هوادة أو استراحة، حتى وصل إلى مسقط رأس رئيسه. فلم تنج منطقة رئيسه من هجومه الذي يدوس على كل شيء يعترض طريقه. فقد وصف أبناء المنطقة التي نبع منها رئيسه"بالبخلاء والأنانيين". فقلت له باسما "لمَ لا تتخل عن التعميم، فالسجن مليء بالمظاليم". فرد بحدة كادت تقتلع أذني"من حسن حظك أنك لم تعمل معهم ولم تعش معهم". فأجبته بصدق :"وما رأيك لو قلت لك أنني من نفس منطقة رئيسك!"، حينها اعتذر، وذهب إلى دورة المياه، ولم يعد حتى اللحظة.
في نفس السياق، أذكر أنني كنت في منزل أحد الأصدقاء في الأحساء قبل عدة شهور، وفور وصولنا قدم المضيف تمرا سكريا من القصيم، مما أثار حفيظة أحد الحضور الذي قام من مقعده وقال: "أهذا سكري؟" فأجابة المضيف بالإيجاب. لم ترق الإجابة للضيف الساخط الذي قال: "كيف تقدم لنا تمر القصيم وأنت ابن الأحساء، هل سمعت أن قصيميا قدم تمرا أحسائيا في منزله!".حاولنا أن نتدخل لفض الاشتباك، لكن دون جدوى!
تخيلوا تمراً يقسمنا. وبإمكاننا أن نقيس على هذه القصة. فطالما سمعنا أن هناك من لا يبتاع لبنا لأن مصدره المنطقة الفلانية، أو لأن صاحبه يعتنق مذهبا غير الذي نعتنقه.
وقد انتبه حديثا العديد من أرباب المصانع والمخابز التي تنتشر منتجانها في أنحاء المملكة إلى انصراف زبائن غير قليلين عن اقتناء بضاعتهم وتراجع مبيعاتهم بسبب استخدامهم لأسماء مناطق وعوائل، مما جعلهم يغيرون أسماء منتجاتهم حتى يتم التعامل مع منتجاتهم على أساس الجودة لا المصدر. وحتى يكسبوا أكبر شريحة من المستهلكين ولا يقتصروا على فئة محددة.
أعلم تماما أن المناطقية والقبلية والطائفية تختبئ في كل الأقطار والأمصار، ولكن علينا أن نتصدى لها في وطننا. نتصدى لها على نحو جدي وفعال. قطعا، نحن لا نتشابه ولا يمكن أن نكون نسخة واحدة، وننتمي إلى مناطق وقبائل مختلفة بيد أننا ننتمي إلى وطن واحد بحاجة إلى تماسكنا وتعاضدنا وتلاحمنا لنمضي، لنمضي بسرعة.
اليوم نحتفل باليوم الوطني الثامن والسبعين، ونحن نعيش واقعا مزدهرا. لكنه بحاجة إلى المزيد من العمل المشترك، والحوار المشترك، والحلم المشترك والحب. فمازالت الكثير من المنازل تنتقص من المنازل المجاورة. ومازالت تسكننا الاتهامات تجاه بعضنا البعض، والسخرية من بعضنا البعض.
دعونا نعمل معا ابتداء من اليوم لترسيخ قيم العدل، والمساواة، والتكافل، والتسامح في أطفالنا وإخواننا. دعونا نتمتع باختلافنا في حدود ما أباحته الشريعة، وأنه لا ضرر ولا ضرار.
دعونا ننتقد رؤساءنا في صميم أدائهم وعملهم وليس في خلفياتهم وجذورهم. دعوننا نلتهم (عجوة المدينة)، (وسكري القصيم) حتى لو كنا أبناء النخيل، أبناء الأحساء.
|
|
|
| Users' Comments |
|
Average user rating
|
|
اضف تعليقك
|